الشيخ محمد رشيد رضا

388

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا يفيدهم شيئا ، وسنبين هذه الحكمة في إبهامه . فالمعنى وإن نرينك أيها الرسول بعض الذي نعدهم من العقاب في الدنيا فذاك - وفيه إشارة إلى أنه سيريه بعضه لا كله ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ بقبضك إلينا قبل إرائتك إياه فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ وعلينا حسابهم ، حيث يكون القسم الثاني منه وهو عقاب الآخرة ، ويجوز ان يجعل هذا جواب الشرط بقسميه ، والمعنى فالينا وحدنا يرجع أمرهم في الحالين ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ بعدك أو مطلقا فيجزيهم به على علم وشهادة حق ، والمراد أنه لا فائدة لهم مما حكاه تعالى عنهم في تربصهم موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واستراحتهم من دعوته ونذره بموته كما تراه في سورة الطور وآخر سورة طه ، فالعذاب واقع ما لَهُ مِنْ دافِعٍ وقد ورد بمعنى هذه الآية قوله تعالى ( 40 : 77 فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) ويليها آية بمعنى الآية التي تلي هذه ذكر فيها الرسل وكون آياتهم باذن اللّه لا من كسبهم ، والقضاء على أقوامهم بالهلاك بعدها ، ومنها قوله بعد آية في إرسال الرسل وكون آياتهم انما هي باذن اللّه ولكل أجل كتاب ( 13 : 40 وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) وما بعدها في معنى السياق الذي هنا . وقوله ( 43 : 41 فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ 42 أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) وقبلها ( أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) وهو بمعنى ما قبل هذه أيضا . وقد أبهم أمر عذاب الدنيا في كل هذه الآيات وآيات أخرى فلم يصرح بأنه سيقع بهم ما وقع بالأمم التي كذبت الرسل من قبلهم وهو عذاب الاستئصال ولكنه أشار اليه في قوله ( 23 : 93 قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ 94 رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي كما هي سنتك في رسلك الأولين ، وقد أجاب اللّه دعاءه فقال ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) وحكمة هذا الابهام التخويف من جميع أنواع الوعيد مع علمه تعالى ان عذاب الاستئصال لن يقع على قومه صلّى اللّه عليه وسلّم لان شرطه أن يجيئهم ما اقترحوا من آية كونيا